الآخوند الخراساني
316
كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )
أنّه ( 1 ) من جهة مفهوم الشرط ، وأنّ تعليق الحكم بإيجاب التبيّن عن النبأ الّذي جيء به على كون الجائي به الفاسق يقتضي انتفاءه عند انتفائه ( 2 ) . ولا يخفى : أنّه على هذا التقرير لا يرد أنّ الشرط في القضيّة لبيان تحقّق الموضوع ، فلا مفهوم له ، أو مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع ، فافهم ( 3 ) .
--> ( 1 ) أي : الاستدلال . ( 2 ) أي : انتفاء وجوب التبيّن عند انتفاء شرطه ، وهو مجيء الفاسق بالنبأ . ( 3 ) هذا أحد الإيرادين اللّذين ذكرهما الشيخ الأعظم الأنصاريّ وادّعى عدم إمكان دفعهما . وحاصله : أنّ المفهوم في المقام من باب السالبة بانتفاء الموضوع . وذلك لأنّ الشرط مجيء الفاسق بالنبأ ، ومعلوم أنّ عدم وجوب التبيّن عند عدم مجيء الفاسق بالنبأ من باب عدم ما يتبيّن ، حيث لا خبر كي يتبيّن فيه ، فيكون الشرط في المقام مسوقاً لبيان تحقّق الموضوع ، فلا تدلّ الآية على المفهوم ، لأنّ الموضوع فيها خصوص نبأ الفاسق ، وهو منتف بانتفاء مجيء الفاسق . وعليه لا تدلّ الآية على عدم وجوب التبيّن عند مجيء خبر العادل ، إذ عدم وجوب التبيّن عند مجيء خبر العادل ليس مفهوماً لوجوب التبيّن عند مجيء خبر الفاسق ، لأنّ المفروض انتفاء نبأ الفاسق - وهو الموضوع في المنطوق - عند مجيء خبر العادل ، وإذا انتفى الموضوع ينتفي الحكم من باب السالبة بانتفاء الموضوع . فرائد الأصول 1 : 257 - 258 . ودَفَعه المصنّف ( رحمه الله ) بما حاصله : أنّه إذا فرضنا أنّ موضوع الحكم بوجوب التبيّن هو النبأ وأنّ الشرط جهة إضافة النبأ إلى الفاسق لا يكون الشرط مقوّماً للموضوع ، إذ النبأ كما يضاف إلى الفاسق يضاف إلى غيره . وحينئذ يمكن وجود الموضوع - وهو النبأ - مع انتفاء الشرط - وهو مجيء الفاسق به - ، فتكون الآية ذات مفهوم ، لإمكان فرض وجود المشروط بدون الشرط . ودفعه المحقّق العراقيّ ببيان آخر . توضحيه - على ما أفاد السيّد المحقّق الخوئيّ تبعاً له - : أنّ الشرط قد يكون أمراً واحداً ، وقد يكون مركّباً من أمرين . فعلى الأوّل إن كان الأمر المذكور ممّا يتوقّف عليه الجزاء عقلاً فلا مفهوم للقضيّة ، وإلاّ فتدلّ على المفهوم . وعلى الثاني فإن كان كلا الجزئين ممّا يتوقّف عليه الجزاء عقلاً فلا مفهوم للقضيّة الشرطيّة أصلاً ، كقولك : « إن رزقك الله مولوداً وكان ذكراً فاختنه » ; وإن كان كلاهما ممّا لا يتوقّف عليه الجزاء عقلاً فالقضيّة تدلّ على المفهوم بالنسبة إلى كليهما - أي تدلّ القضيّة على انتفاء الجزاء عند انتفاء كلّ واحد منهما ولو مع تحقّق الآخر - ; وإن كان أحدهما ممّا يتوقّف عليه الجزاء عقلاً ومحقِّقاً للموضوع دون الآخر ، كقولك : « إن ركب الأمير وكان ركوبه يوم الجمعة فخذ ركابه » ، فتدلّ القضيّة على المفهوم بالنسبة إلى الجزء الّذي لا يتوقّف عليه الجزاء عقلاً - وهو في المثال يوم الجمعة - دون الآخر - وهو ركوب الأمير - . إذا عرفت هذا ، فاعلم : أنّ الشرط في الآية الشريفة مركّب من جزأين : النبأ ومجئ الفاسق به ، ويكون أحدهما - وهو النبأ - محقِّقاً لموضوع الحكم في الجزاء لتوقّفه عليه عقلاً ، فلا مفهوم للقضيّة بالنسبة إليه ، ولا يكون الجزء الآخر - أي مجيء الفاسق به - محقِّقاً لموضوع الحكم في الجزاء ، لعدم توقّف الجزاء عليه عقلاً ، فتدلّ القضيّة على المفهوم بالنسبة إليه ، ومفاده انتفاء وجوب التبيّن عند انتفاء كون الآتي به فاسقاً ، فلا يجب التبيّن في النبأ الّذي جاء به العادل . راجع نهاية الأفكار 3 : 111 - 113 ، ومصباح الأصول 2 : 157 - 158 . ولا يخفى : أنّ ما ذكراه يستلزم استعمال الأداة في معنيين ، وهو من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، وهو محال .